ابن قيم الجوزية
357
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
لمرضاة خلقه بمساخطه . رضى المخلوق آثر عنده من رضى خالقه . وحقه آكد عنده من حقه . وخوفه ورجاؤه وحبه في قلبه أعظم من خوفه من اللّه ورجائه وحبه . فلم يدع لفضل ربه وكرامته وثوابه إليه طريقا ، بل سدّ دونه طرق مجاريها بجهده . وأعطى بيده لعدوه . فصالحه وسمع له وأطاع . وانقاد إلى مرضاته . فجاء من الظلم بأقبحه وأشده . فهو الذي عارض مراده به منه بمراده وهواه وشهوته . واعترض لمحابه ومراضيه بالدفع . ولم يأذن لها في الدخول عليه . فأضاع حظه وبخس حقه . وظلم نفسه . وعادى حبيبه . ووالى عدوه . وأسخط من حياته في رضاه . وأرضى من حياته في سخطه . وجاد بنفسه لعدوه . وبخل بها عن حبيبه ووليه . والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه بعقوبته . ولا يتشفى بعقابه . ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة . ولا ينقص مغفرته . ولو غفر لأهل الأرض كلهم لما نقص مثقال ذرة من ملكه . كيف ، والرحمة أوسع من العقوبة وأسبق من الغضب وأغلب له ؟ وهو قد كتب على نفسه الرحمة . فرجاء العبد له لا ينقص شيئا من حكمته . ولا ينقص ذرة من ملكه . ولا يخرجه عن كمال تصرفه . ولا يوجب خلاف كمال . ولا تعطيل أوصافه وأسمائه . ولولا أن العبد هو الذي سدّ على نفسه طرق الخيرات ، وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه : لكان ربه له فوق رجائه وفوق أمله . وأما استسلام العبد لربه ، واستسلامه بانطراحه بين يديه ، ورضاه بمواقع حكمه فيه : فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ، ويقيله عثرته ويعفو عنه ، ويقبل حسناته مع عيوب أعماله وآفاتها . ويتجاوز عن سيئاته . فقوة رجائه أوجبت له هذا الاستسلام والانقياد ، والانطراح بالباب . ولا يتصور هذا بدون الرجاء البتة . فالرجاء حياة الطلب . والإرادة روحها . وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه : فهذا هو الرعونة كل الرعونة . فإن مراده سبحانه نوعان : مراد يحبه ويرضاه . ويمدح فاعله ويواليه . فموافقته في هذا المراد : هي عين محبته ، وإرادة خلافه رعونة ومعارضة واعتراض . ومراد يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ويعاديه . فموافقته في هذا المراد : عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه . فهذا الموضع موضع فرقان . فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد ، واعتراضه بالدفع ، والرد بالمراد الآخر . فالعبودية الحق : معارضة مراده بمراده ، ومزاحمة أحكامه بأحكامه . فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط ، وما يوجبه ويقتضيه : عين الرعونة . والخروج عن العبودية . وهو عين الدعوى الكاذبة . إذ لو كان مصدر ذلك الاستسلام والموافقة ، وترك الاعتراض والمعارضة ، لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه ، وأوامره - التي الاستسلام لها والموافقة فيها ، وترك معارضتها ، والاعتراض عليها - هو عين المحبة والموالاة . وأما الفناء بمراد ربه : فقد تقدم أن المحمود من : هو ذلك الفناء بمراده الديني الأمري ، لا الكوني القدري . فإن الكون كله مراده القدري خيره وشره .